السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 94

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

ونلاحظ في النقاط التي يختلف فيها ابن إدريس مع الشيخ الطوسي اهتماماً كبيراً منه باستعراض الحجج التي يمكن أن تدعم وجهة نظر الطوسي وتفنيدها ، وهذه الحجج التي يستعرضها ويفنِّدها : إمّا أن تكون من وضعه وإبداعه يفترضها افتراضاً ثمّ يبطلها لكي لا يبقي مجالًا لشبهةٍ في صحة موقفه ، أو أنّها تعكس مقاومة الفكر التقليدي السائد لآراء ابن إدريس الجديدة . أي أنّ الفكر السائد استفزَّته هذه الآراء وأخذ يدافع عن آراء الطوسي ، فكان ابن إدريس يجمع حجج المدافعين ويفنِّدها . وهذا يعني أنّ آراء ابن إدريس كان لها ردّ فعلٍ وتأثير معاصر على الفكر العلمي السائد الذي اضطرّه ابن إدريس للمبارزة . ونحن نعلم من كتاب السرائر أنّ ابن إدريس كان يجابه معاصريه بآرائه ويناقشهم ، ولم يكن منكمشاً في نطاق تأليفه الخاصّ ، فمن الطبيعي أن يثير ردود الفعل ، وأن تنعكس ردود الفعل هذه على صورة حججٍ لتأييد رأي الشيخ . فمن مجابهات ابن إدريس تلك : ما جاء في المزارعة من كتاب السرائر ، إذ كتب عن رأيٍ فقهيٍّ يستهجنه ويقول : « والقائل بهذا القول : السيّد العلوي أبو المكارم بن زهرة الحلبي ، شاهدته ورأيته وكاتبته وكاتبني وعرَّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ ، فاعتذر رحمه الله بأعذارٍ غير واضحة » « 1 » . كما نلمح في بحوث ابن إدريس ما كان يقاسيه من المقلِّدة الذين تعبّدوا بآراء الشيخ الطوسي ، وكيف كان يضيق بجمودهم ، ففي مسألة تحديد المقدار الواجب نزحه من البئر إذا مات فيها كافر يرى ابن إدريس : أنّ الواجب نزح جميع ما في البئر ، بدليل أنّ الكافر إذا باشر ماء البئر وهو حيّ وجب نزح جميعها اتّفاقاً ، فوجوب نزح الجميع إذا مات فيها أولى . وإذا كان هذا الاستدلال

--> ( 1 ) السرائر 2 : 443